محمد حسين هيكل
164
حياة محمد ( ص )
نزل قوله تعالى : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ) « 1 » . وسرّي عن المسلمين بنزول القرآن بهذا الأمر ، وقبض النبيّ العير والأسيرين فافتدتهما منه قريش ؛ فقال : لا نفديكموهما « 2 » حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقّاص وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما ، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم . وقدم سعد وعتبة وأفداهما النبيّ من الأسيرين . فأما أحدهما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام بالمدينة . وأما الآخر فرجع إلى مكة وظل بها حتى مات على دينه ودين آبائه . جدير بنا أن نقف عند سرية عبد اللّه بن جحش هذه والآية الكريمة التي نزلت فيها ؛ فهي في رأينا مفترق طرق في سياسة الإسلام . هي حادث جديد في نوعه يدل على روح قويّ في سمّوه ، إنسانيّ في قوّته ، ينتظم نواحي الحياة المادية والمعنوية والروحية كأشد ما يكون النظام قوّة ورفعة وتوجها إلى الكمال . فالقرآن يجيب المشركين عن سؤالهم عن القتال في الشهر الحرام أهو من الكبائر ، ويقرّهم على أنه كذلك أمر كبير . لكن هناك ما هو أكبر من هذا الأمر . فالصّدّ عن سبيل اللّه والكفر به أكبر من القتال في الشهر الحرام ، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر من القتال في الشهر الحرام والقتل فيه . وفتنة الرجل عن دينه بالوعد والوعيد والإغراء والتعذيب أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي غير الشهر الحرام . وقريش والمشركون الذين ينعون على المسلمين ما قتلوا في الشهر الحرام لن يزالوا يقاتلون المسلمين حتى يردّوهم عن دينهم إن استطاعوا . فإذا كانت قريش وكان المشركون يرتكبون هذه الكبائر جميعا ، فيصدّون عن سبيل اللّه ويكفرون به ويخرجون أهل المسجد الحرام منه ويفتنونهم عن دينهم ، فلا جناح على من تقع عليه أوزارهم وكبائرهم هذه إن هو قاتلهم في الشهر الحرام ، وإنما الكبيرة أن يقاتل في الشهر الحرام من لا يجترح من هذه الأوزار وزرا . القرآن والقتال الفتنة أكبر من القتل . وحقّ بل واجب على من يرى غيره يحاول فتنته عن دينه أو يصدّ عن سبيل اللّه أن يقاتل في سبيل اللّه حتى لا يفتن وحتى ينصر دين اللّه . هنا يرفع المستشرقون والمبشرون عقائرهم صائحين : أرأيتم ! هذا محمد يدعو دينه إلى الحرب وإلى الجهاد في سبيل اللّه ، أي إكراه الناس بالسيف على الدخول في الإسلام . أليس هذا هو التعصب بعينه ! وهذا في حين تنكر المسيحية القتال وتمقت الحرب وتدعو إلى السلام ، وتنادي بالتسامح وتربط بين الناس برابطة الإخاء في اللّه وفي السّيد المسيح . ولست أؤيد لكي أناقش هؤلاء ، أن أذكر كلمة الإنجيل : « ما جئت لألقي على الأرض سلاما بل سيفا . . . إلخ » . وما تنطوي عليه هذه الكلمة من المعاني ؛ فالمسلمون يقرّون دين عيسى كما نزل به القرآن . وإنما أريد بادئ الرأي أن أردّ قولهم : إن محمدا دعا دينه إلى القتال لإكراه الناس بالسيف على الدخول في الإسلام . فهذه فرية ينكرها القرآن في قوله تعالى : ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) « 3 » ، وفي قوله تعالى : ( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) « 4 » . وفي كثير غير هاتين الآيتين الكريمتين . الجهاد في سبيل اللّه والجهاد في سبيل اللّه معناه الصريح ، على نحو ما ورد في الآيات التي ذكرناها والتي نزلت في سرية
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 217 . ( 2 ) أفداه : قبل منه الفداء . ( 3 ) سورة البقرة آية 256 . ( 4 ) سورة البقرة آية 190 .